## **بنو آدم… بنو إسرائيل… والفساد قبل الخلق**
---
### **المقدمة | سؤال غير مألوف**
هل تساءلت يومًا:
لماذا يخاطب القرآن البشر بقولـه **«يا بني آدم»**،
ثم يفرد جماعة بعينها بنداء خاص: **«يا بني إسرائيل»**؟
إن كان الجميع من نسل آدم،
فما ضرورة هذا التمييز؟
وهل هو تشريف…
أم تحميل مسؤولية؟
والسؤال الأعمق:
هل يرتبط ذكر **بني إسرائيل** في القرآن بنمطٍ أقدم،
سبق حتى خلق آدم نفسه؟
---
### **المشهد الأول | من أين جاء السؤال؟**
عندما نقرأ القرآن بتأنٍ، نلاحظ ثلاث مفردات تتكرر معًا بشكل لافت:
* **الفساد في الأرض**
* **سفك الدماء**
* **ذكر بني إسرائيل**
ثم نعود إلى بداية القصة…
إلى أول حوار كوني قبل خلق الإنسان:
> ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
> قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾
سؤال الملائكة لم يكن عن العبادة،
بل عن **الفساد والدم**.
فمن أين جاءت هذه المعرفة؟
ومن الذي جسّد هذا النمط لاحقًا بأوضح صورة؟
---
### **المشهد الثاني | فرضية صادمة… ثم استبعادها**
قد يخطر على الذهن افتراض غريب:
> كما أن آدم أب البشر،
> فهل يمكن أن يكون إسرائيل أب كيان آخر، كالجن؟
خاصة وأن القرآن يقدّم الجن كأمة:
* تسمع
* تؤمن وتكفر
* وتقول: ﴿مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ﴾
لكن عند الفحص النصي الصارم:
* لا يوجد أي ربط بين إسرائيل والجن
* الجن خُلقوا قبل الإنسان
* والقرآن لم يذكر لهم أبًا باسم أو نسبًا بشريًا
فتسقط الفرضية…
لكن السؤال الأكبر يبقى.
---
### **المشهد الثالث | إسرائيل… اسم أم أسطورة؟**
في التوراة، تُربط تسمية يعقوب بـ «إسرائيل» بقصة مصارعة غامضة:
* رجل غير معروف
* صراع ليلي
* ثم اسم قومي أبدي
قصة مشكوك فيها:
* لغويًا
* وسرديًا
* وتاريخيًا
لكن المفارقة أن القرآن:
* **لم يذكر المصارعة**
* لم يشرح الاسم
* لم يمنحه قداسة أسطورية
استخدمه فقط…
كاسم تاريخي لجماعة تُحاسَب.
---
### **المشهد الرابع | هل القرآن يساوي يعقوب بإسرائيل؟**
هنا نصل إلى نقطة دقيقة.
القرآن لا يقول صراحة:
«إسرائيل هو يعقوب».
لكنّه يقول:
> ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ
> إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾
نحن أمام:
* شخص واحد
* سابق لموسى
* له أثر تشريعي على ذريته
ولا توجد في القرآن شخصية تنطبق عليها هذه الصفات سوى **يعقوب**.
ليست مساواة لغوية مباشرة…
بل **استدلال قرآني مغلق** لا بديل له.
---
### **المشهد الخامس | الفساد… القتل… وبنو إسرائيل**
بعد أول جريمة قتل في التاريخ — قصة ابني آدم —
يقول القرآن مباشرة:
> ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ
> أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا… فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾
ثم يقول:
> ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ
> لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ
> وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾
لماذا هم تحديدًا؟
لأنهم:
* أول أمة تملك شريعة مكتوبة كاملة
* ثم مارست القتل والفساد باسم العهد الإلهي
---
### **المشهد السادس | هل كانوا المقصودين في سؤال الملائكة؟**
هنا يجب أن نكون دقيقين:
* لا يمكن أن يكونوا المقصودين حرفيًا قبل خلق آدم
* فهم ذرية آدم بنص القرآن
لكن الصحيح هو الآتي:
> الملائكة سألت عن **قابلية الإنسان** للفساد وسفك الدم
> والقرآن أجاب **تاريخيًا** لا نظريًا
وأبرز مثال تاريخي موثّق لهذا النمط…
كان **بني إسرائيل**.
ليس لأنهم أسوأ البشر،
بل لأن انحرافهم كان:
* موثقًا
* مشرّعًا
* ومُبرّرًا دينيًا
---
الخاتمة
> في ختام هذا الطرح، لا نزعم أن القرآن قال إن بني إسرائيل وُجدوا قبل آدم،
> ولا نقول إنهم هم المقصودون زمنيًا بسؤال الملائكة،
> فذلك قول لا دليل نصيًا عليه.
> لكن ما يمكن قوله بوضوح، وبدون أي خروج عن النص،
> أن القرآن طرح منذ اللحظة الأولى سؤالًا محددًا:
> **الفساد في الأرض وسفك الدماء**.
> ثم، وبعد خلق الإنسان،
> لم يُسند هذا الوصف بصيغته الواضحة المقترنة بالقتل
> إلا إلى جماعة واحدة مسمّاة صراحة:
> **بني إسرائيل**.
> ليس بوصفه حادثة عابرة،
> بل كنمط متكرر،
> وكمسؤولية مكتوبة،
> وكموضوع محاسبة إلهية مشددة.
> وبهذا، يصبح بنو إسرائيل في النص القرآني
> **النموذج الأوضح للسلوك الذي خشيته الملائكة**،
> لا من حيث الزمن،
> بل من حيث الدلالة والمعنى.
> فالقرآن لا يجيب دائمًا بالسرد المباشر،
> بل أحيانًا يعيد طرح السؤال
> ثم يقدّم الجواب في صورة أفعال وأمم وتجارب.
> ومن هنا،
> يبقى السؤال مفتوحًا أمام القارئ لا ليُدان قوم،
> بل ليفهم لماذا كان الفساد وسفك الدم
> أول ما خشيته الملائكة،
> وأخطر ما يُحاسَب عليه الإنسان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحبا بكم