الأحد، 21 ديسمبر 2025

بنو آدم… بنو إسرائيل… والفساد قبل الخلق

 


## **بنو آدم… بنو إسرائيل… والفساد قبل الخلق**


---


### **المقدمة | سؤال غير مألوف**


هل تساءلت يومًا:

لماذا يخاطب القرآن البشر بقولـه **«يا بني آدم»**،

ثم يفرد جماعة بعينها بنداء خاص: **«يا بني إسرائيل»**؟


إن كان الجميع من نسل آدم،

فما ضرورة هذا التمييز؟


وهل هو تشريف…

أم تحميل مسؤولية؟


والسؤال الأعمق:

هل يرتبط ذكر **بني إسرائيل** في القرآن بنمطٍ أقدم،

سبق حتى خلق آدم نفسه؟


---


### **المشهد الأول | من أين جاء السؤال؟**


عندما نقرأ القرآن بتأنٍ، نلاحظ ثلاث مفردات تتكرر معًا بشكل لافت:


* **الفساد في الأرض**

* **سفك الدماء**

* **ذكر بني إسرائيل**


ثم نعود إلى بداية القصة…

إلى أول حوار كوني قبل خلق الإنسان:


> ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

> قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾


سؤال الملائكة لم يكن عن العبادة،

بل عن **الفساد والدم**.


فمن أين جاءت هذه المعرفة؟

ومن الذي جسّد هذا النمط لاحقًا بأوضح صورة؟


---


### **المشهد الثاني | فرضية صادمة… ثم استبعادها**


قد يخطر على الذهن افتراض غريب:


> كما أن آدم أب البشر،

> فهل يمكن أن يكون إسرائيل أب كيان آخر، كالجن؟


خاصة وأن القرآن يقدّم الجن كأمة:


* تسمع

* تؤمن وتكفر

* وتقول: ﴿مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ﴾


لكن عند الفحص النصي الصارم:


* لا يوجد أي ربط بين إسرائيل والجن

* الجن خُلقوا قبل الإنسان

* والقرآن لم يذكر لهم أبًا باسم أو نسبًا بشريًا


فتسقط الفرضية…

لكن السؤال الأكبر يبقى.


---


### **المشهد الثالث | إسرائيل… اسم أم أسطورة؟**


في التوراة، تُربط تسمية يعقوب بـ «إسرائيل» بقصة مصارعة غامضة:


* رجل غير معروف

* صراع ليلي

* ثم اسم قومي أبدي


قصة مشكوك فيها:


* لغويًا

* وسرديًا

* وتاريخيًا


لكن المفارقة أن القرآن:


* **لم يذكر المصارعة**

* لم يشرح الاسم

* لم يمنحه قداسة أسطورية


استخدمه فقط…

كاسم تاريخي لجماعة تُحاسَب.


---


### **المشهد الرابع | هل القرآن يساوي يعقوب بإسرائيل؟**


هنا نصل إلى نقطة دقيقة.


القرآن لا يقول صراحة:

«إسرائيل هو يعقوب».


لكنّه يقول:


> ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ

> إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾


نحن أمام:


* شخص واحد

* سابق لموسى

* له أثر تشريعي على ذريته


ولا توجد في القرآن شخصية تنطبق عليها هذه الصفات سوى **يعقوب**.


ليست مساواة لغوية مباشرة…

بل **استدلال قرآني مغلق** لا بديل له.


---


### **المشهد الخامس | الفساد… القتل… وبنو إسرائيل**


بعد أول جريمة قتل في التاريخ — قصة ابني آدم —

يقول القرآن مباشرة:


> ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ

> أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا… فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾


ثم يقول:


> ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ

> لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ

> وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾


لماذا هم تحديدًا؟


لأنهم:


* أول أمة تملك شريعة مكتوبة كاملة

* ثم مارست القتل والفساد باسم العهد الإلهي


---


### **المشهد السادس | هل كانوا المقصودين في سؤال الملائكة؟**


هنا يجب أن نكون دقيقين:


* لا يمكن أن يكونوا المقصودين حرفيًا قبل خلق آدم

* فهم ذرية آدم بنص القرآن


لكن الصحيح هو الآتي:


> الملائكة سألت عن **قابلية الإنسان** للفساد وسفك الدم

> والقرآن أجاب **تاريخيًا** لا نظريًا


وأبرز مثال تاريخي موثّق لهذا النمط…

كان **بني إسرائيل**.


ليس لأنهم أسوأ البشر،

بل لأن انحرافهم كان:


* موثقًا

* مشرّعًا

* ومُبرّرًا دينيًا



---


الخاتمة 


> في ختام هذا الطرح، لا نزعم أن القرآن قال إن بني إسرائيل وُجدوا قبل آدم،

> ولا نقول إنهم هم المقصودون زمنيًا بسؤال الملائكة،

> فذلك قول لا دليل نصيًا عليه.


> لكن ما يمكن قوله بوضوح، وبدون أي خروج عن النص،

> أن القرآن طرح منذ اللحظة الأولى سؤالًا محددًا:

> **الفساد في الأرض وسفك الدماء**.


> ثم، وبعد خلق الإنسان،

> لم يُسند هذا الوصف بصيغته الواضحة المقترنة بالقتل

> إلا إلى جماعة واحدة مسمّاة صراحة:

> **بني إسرائيل**.


> ليس بوصفه حادثة عابرة،

> بل كنمط متكرر،

> وكمسؤولية مكتوبة،

> وكموضوع محاسبة إلهية مشددة.


> وبهذا، يصبح بنو إسرائيل في النص القرآني

> **النموذج الأوضح للسلوك الذي خشيته الملائكة**،

> لا من حيث الزمن،

> بل من حيث الدلالة والمعنى.


> فالقرآن لا يجيب دائمًا بالسرد المباشر،

> بل أحيانًا يعيد طرح السؤال

> ثم يقدّم الجواب في صورة أفعال وأمم وتجارب.


> ومن هنا،

> يبقى السؤال مفتوحًا أمام القارئ لا ليُدان قوم،

> بل ليفهم لماذا كان الفساد وسفك الدم

> أول ما خشيته الملائكة،

> وأخطر ما يُحاسَب عليه الإنسان.